الجاحظ
19
المحاسن والأضداد
محاسن الكتابة والكتب كانت العجم تقيد مآثرها بالبنيان والمدن والحصون ، مثل بناء ازدشير وبناء إصطخر ، وبناء المدائن والسدير ، والمدن والحصون ، ثم أن العرب شاركت العجم في البنيان ، وتفردت بالكتب والأخبار ، والشعر والآثار ؛ فلها من البنيان غمدان ، وكعبة نجران ، وقصر مأرب ، وقصر مارد ، وقصر شعوب ، والأبلق الفرد وغير ذلك من البنيان ، وتصنيف الكتب أشد تقييدا للمآثر على ممر الأيام والدهور من البنيان ، لأن البناء لا محالة يدرس ، وتعفى رسومه ، والكتاب باق يقع من قرن إلى قرن ، ومن أمة إلى أمة ، فهو ابدا جديد ، والناظر فيه مستفيد ، وهو أبلغ في تحصيل المآثر من البنيان والتصاوير . وكانت العجم تجعل الكتاب في الصخور ، ونقشا في الحجارة ، وخلقة مركبة في البنيان ، فربما كان الكتاب هو الناتئ ، وربما كان هو المحفور ، إذا كان ذلك تاريخا لأمر جسيم ، أو عهدا لأمر عظيم ، أو عظيم ، أو موعظة يرتجى نفعها ، أو احياء شرف يريدون تخليد ذكره ، كما كتبوا على قبة غمدان وعلى باب القيروان ، وعلى باب سمرقند ، وعلى عمود مأرب ، وعلى ركن المقشعر ، وعلى الأبلق الفرد ، وعلى باب الرها ؛ يعمدون إلى المواضع المشهورة والأماكن المذكورة ، فيضعون الخط في ابعد المواضع من الدثور ، وامنعها من الدروس . وأجدر أن يراه من مرّ به ، ولا ينسى على وجه الدهور « 1 » . ولولا الحكم المحفوظة والكتب المدونة ، لبطل أكثر العلم ، ولغلب
--> ( 1 ) هذا النص مأخوذ بتصرف من كتاب الجاحظ : « الحيوان » الجزء الأول ص 49 ( طبعة دار ومكتبة الهلال ، بيروت ، 1986 ) .